
بعد كل تلك السدود و المفاجئات التي جعلت حاجبيها يقتربان من بعضهما من كثرة الدهشة
بعد اللاطمات المتتالية من عقارب الساعة التي لا تهدي و لا تمل
بعد أن ركضت حتى تلامست أرجلها برمال الشط تصرخ في وجه أمواجه الصاخبة عاتبة شاكية بدون جدوى
رجعت لتقف أمام تلك العتبة تلهث أنفاسها تستعد للدخول مستمعة لدقات قلبها التي تدق في أذنيها، تسيطر عليها فكرة الانسحاب... الهروب، خوفا من المواجهة.. مواجهة المجهول التي فشلت عدة مرات في رسم ملامحه.. فهو دائما مغطى بالضباب دائما يجول حوله وحش الغموض و الحزن فلا تجد من يمسك يدها ليجذبها نحوه إلى الداخل..و ينظر في عمق أعينها التائهة في ذلك الفضاء المقفر لتشعر بالألفة بعض الشيء
تشعر ببرودة في أطراف أصابع أقدامها مما تجعله دافعا للرجوع
و لكنها قررت أن تظل واقفة أمام تلك العتبة، متذكرة نغمة تعلمتها حديثا بدأت ترددها و يعلو صوتها ثم يعلو أكثر في هذا الساحة الواسعة.. يزعجها صدى صوتها الذي يضوي في المكان بلا توقف و تؤلمها أطرافها الباردة كقطعة الثلج
و استسلمت لتهوى في إيقاع موسيقى الجاز لتتراقص متحدية كل الصقيع كل غضبها لتقول بجسدها و كأن أصابها نوبة جنون خفيفة تبوح بها و هي ساخرة إنها ستعيش رغم أنف الزمن كما تريد دخلت كانت أم ظلت واقفة مكانها في الخارج
تغني أغنيتها بصوت منخفض و ترقص رقصتها لتشارك بها مارة الطريق غير منتظرة شيء جديد... مخرجة من حقيبتها كل ممتلكاتها ثلاث زجاجات ملونة و أنف أحمر كبير تلعب بهم و هي تدندن و تتراقص... لتبحث على ابتسامات هنا أو هناك لتستدفئ بهم قليلا
و حينما تقرر الرحيل سوف تستسلم في فراشها و تغمض أعينها فتنسحب برضا و سلام